أفلوطين
100
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
فقد اكتفت القوة حينئذ بنفسها ولم تحتج في إدراك الجواهر إلى الفعل . وإن كان هذا هكذا ، رجعنا وقلنا إن النفس إذا كانت في المكان العقلىّ فإنما ترى ذاتها والأشياء التي هناك بقوّتها لأن الأشياء التي هناك بسيطة ، والبسيط « 1 » لا يدركه إلا بسيط مثله . وإذا كانت في هذا المكان الحسّىّ لم تنل ما هناك إلا بتعب شديد لكثرة القشور التي لبستها . والتعب فعل ، والفعل مركب ، والمركب لا يدرك الأشياء البسيطة كنه إدراكها . فالنفس إذا صارت في هذا العالم الحسّىّ لم تنل ما في العالم العقلىّ إلّا بفعل تستفيده هاهنا ، لا بقوتها . فلذلك لا تدرك الأشياء التي كانت تراها في العالم العقلىّ ، لأن الفعل « 2 » [ 35 ب ] يستغرق القوّة في العالم الحسى ويمنعها من إدراك ما كانت تدركه . فإن قال قائل : إن المدرك إذا أدرك الشئ بالقوة ثم « 3 » أدركه بالفعل كان ذلك أثبت وأقوى ، لأن الفعل إنما هو تمام - قلنا : أجل ! إذا كان المدرك يدرك الشئ بقبول أثره فإن القوة تكون حسّا كأنها تقبل رسم أثر الشئ ، والفعل أتمّ ذلك الأثر ، فيكون الفعل حينئذ متمّم القوة . فأما إذا كان المدرك به يدرك الشئ من غير أن يقبل أثره ، فالقوة حينئذ تكفى بنفسها في إدراك الشئ . فإذا كانت مكتفية بنفسها ثم أتاها آت ، دخل عليها فأضرّ بها ذلك الآتي « 4 » وأفسدها ، لا سيما إذا كان خلافها ولم يكن من حيّزها . فإن قال قائل : إذا كان هذا هكذا ، فقد فسدت قوة النفس التي بها كانت تدرك الأشياء العقلية إدراكا صحيحا إذ « 5 » صارت لا تدركها إلا بالفعل ، لأن الفعل مفسد « 6 » للقوة - قلنا : لم تفسد القوة ، لكنها تبحث عن النفس عند دخول الفعل عليها فقط . والدليل على ذلك أن النفس إذا تركت استعمال الفعل في الأشياء العقلية ولم تحتج إلى التفكّر في إدراك ذلك العالم ، رجعت تلك القوة إليها بل نهضت لأنها لم تفارق النفس ، وترى النفس الأشياء التي كانت تراها قبل أن تصير في هذا العالم ، من غير أن تحتاج إلى
--> ( 1 ) والبسيط : ناقصة في ح . ( 2 ) ح : العقل . ( 3 ) ط : وأدركه . في ح : الواو ناقصة . ( 4 ) ط ، ح : الأثر - والتصحيح عن ص . ( 5 ) في النسخ : إذا . ( 6 ) ح : مفسدة .